الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

406

مناهل العرفان في علوم القرآن

عن ثقة ، وإماما عن إمام إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإن المصاحف لم تكن ولن تكون هي العمدة في هذا الباب . إنما هي مرجع جامع للمسلمين ، على كتاب ربهم ، ولكن في حدود ما تدلّ عليه وتعيّنه ، دون ما لا تدل عليه ولا تعيّنه . وقد عرفت أن المصاحف لم تكن منقوطة ولا مشكولة ، وأن صورة الكلمة فيها كانت محتملة لكل ما يمكن من وجوه القراءات المختلفة ، وإذا لم تحتملها كتبت الكلمة بأحد الوجوه في مصحف ، ثم كتبت في مصحف آخر بوجه آخر وهلم جرا . فلا غرو أن كان التعويل على الرواية والتلقي هو العمدة في باب القراءة والقرآن . وقلنا : إن عثمان رضى اللّه عنه حين بعث المصاحف إلى الآفاق أرسل مع كل مصحف من يوافق قراءته في الأكثر الأغلب ، وهذه القراءة قد تخالف الذائع الشائع في القطر الآخر عن طريق المبعوث الآخر بالمصحف الآخر . ثم إن الصحابة رضوان اللّه عليهم قد اختلف أخذهم عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فمنهم من أخذ القرآن عنه بحرف واحد ، ومنهم من أخذه عنه بحرفين ، ومنهم من زاد . ثم تفرقوا في البلاد وهم على هذه الحال ، فاختلف بسبب ذلك أخذ التابعين عنهم ، وأخذ تابع التابعين عن التابعين ، وهلم جرا حتى وصل الأمر على هذا النحو إلى الأئمة القرّاء المشهورين الذين تخصّصوا وانقطعوا للقراءات يضبطونها ويعنون بها وينشرونها كما يأتي . هذا منشأ علم القراءات واختلافها ، وإن كان الاختلاف يرجع في الواقع إلى أمور يسيرة بالنسبة إلى مواضع الاتفاق الكثيرة كما هو معلوم . لكنه - على كل حال - اختلاف في حدود السبعة الأحرف التي نزل عليها القرآن كلّها من عند اللّه ، لا من عند الرسول ولا أخذ من القراء أو غيرهم . وللنويرى كتاب مخطوط بدار الكتب في مصر ، وضعه شرحا للطيّبة في القراءات العشر ، يجمل بي أن أنقل إليك منه هنا الكلمة الآتية :